الفيض الكاشاني

22

أنوار الحكمة

فإذن ما يقصر عن فهمه عقولنا ، له سببان : أحدهما خفاؤه في نفسه وغموضه - وذلك لا يخفى مثاله . والآخر ما يتناهى وضوحه ، وهذا كما أنّ الخفّاش يبصر بالليل ، ولا يبصر بالنهار - لا لخفاء النهار واستتاره ، ولكن لشدّة ظهوره ، فإنّ بصر الخفّاش ضعيف ، يبهره نور الشمس إذا أشرق ، فيكون قوّة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع إبصاره ، فلا يرى شيئا إلّا إذا امتزج الظلام بالضوء وضعف ظهوره . فكذلك عقولنا ضعيفة ، وجمال الحضرة الإلهيّة في نهاية الإشراق والاستنارة ، وفي غاية الاستغراق والشمول ، حتّى لا يشذّ « 1 » عن ظهوره ذرّة من ملكوت السماوات والأرض ، فصار ظهوره سبب خفائه . فسبحان من احتجب بإشراق نوره ، واختفى عن البصائر والأبصار بظهوره « 2 » . ولا تتعجّب من اختفاء ذلك بسبب الظهور ، فإنّ الأشياء تستبان بأضدادها ، وما عمّ وجوده - حتّى [ أنّه ] « 3 » لا ضدّ له - عسر إدراكه ؛ فلو اختلف الأشياء ، فدلّ بعضها دون البعض ، أدرك التفرقة على قربه ، ولمّا اشترك في الدلالة على نسق واحد ، أشكل الأمر . ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض : فإنّا نعلم أنّه عرض من الأعراض يحدث في الأرض ، ويزول عند غيبة الشمس ، فلو كانت الشمس دائمة الإشراق - لا غروب لها - لكنّا نظنّ أن لا هيئة في الأجسام إلّا ألوانها ، وهي السواد والبياض وغيرها ؛ فإنّا لا نشاهد في الأسود إلّا السواد ، وفي الأبيض إلّا البياض ، فأمّا الضوء فلا ندركه وحده ، لكن لمّا غابت الشمس وأظلمت المواضع ، أدركت تفرقة بين

--> ( 1 ) في الإحياء والمحجة : لم يشذ . ( 2 ) في هامش مل : حجاب روى تو هم روى تست در همه حال * نهاني از همه عالم ز بس‌كه پيدائى ( 3 ) زيادة من الإحياء والمحجة .